طه حسين ... وانتحال الشعر الجاهلي
طه حسين ... وانتحال الشعر الجاهلي
11 - 9 - 2008
كان أول درس ندرسه في الأدب في كلية دار العلوم قضية الانتحال في الشعر الجاهلي، وبطلها الدكتور/ طه حسين، ومازلت أذكر كيف كان أساتذتنا ينبرون لدحض الشبهات التي أثارها د. طه حسين حول صحة نسبة الشعر الجاهلي لقائليه.
لعلي وقتها لم أستطع هضم القضية هضمًا جيدًا، حتى إذا ما استوى عودي في دراسة اللغة العربية؛ بدأت القضية تتبلور برمتها في ذهني، وكيف كانت القضية انعكاسًا للحالة الفكرية التي عاد بها طه حسين من باريس بعد إنهاء بعثته.
عاد طه حسين وقد فتن بمنهج الشك الديكارتي، وأراد أن يطبق كل ما رآه أو لقنوه إياه في باريس، ولذلك قال طه حسين قولته المشهورة: (الأدب في حاجة إلى الحرية، في حاجة إلى ألا يُعتبر علمًا دينيًّا ولا وسيلة، وهو في حاجة إلى أن يتحرر من التقديس، هو في حاجة إلى أن يكون كغيره من العلوم، قادرًا على أن يخضع للبحث والتحليل والشك والرفض والإنكار، لأن هذه الأشياء كلها هي الأشياء الخصبة حقًّا).
وكان الشعر الجاهلي هو الميدان الأول الذى أراد به طه حسين أن يجرب فيه اتجاهه العقلي والنقدي الجديد، فكان كتاب "في الشعر الجاهلي".
فقد كتب طه حسين في جريدة السياسة في أواخر سنة 1924م مقالاته عن شعراء الغزل في العصر الإسلامي، من أمثال مجنون ليلى الذي شك طه حسين في وجوده، وبقدر ما أثارت هذه المقالات من ردود أفعال غاضبة، فإنها أضاءت لطه حسين فكرته الأساسة عن الانتحال، وزودته بجرأة على المضي في تطبيق مبدأ الشك إلى ذروته.
وكان من نتيجة ذلك كتابه "في الشعر الجاهلي" الذي أصدره عام 1926م، وهو الكتاب الذي انتهى فيه طه حسين إلى الشك في وجود هذا الشعر كله، أو على الأقل أغلب هذا الشعر لأسباب بسطها في الكتاب.
ويعني ذلك أن كتاب "الشعر الجاهلي" ـ على عكس ما يعرف الكثيرون ـ يمثل ذروة تطبيق مبادئ النزعة العقلانية، التي بدأت بالشك في صورة العصر العباسي عام 1922م، ثم تصاعدت إلى الشك في وجود بعض شعراء الغزل العذري عام 1924م، ثم وصلت إلى الذروة التي انتهت بالشك في وجود الشعر الجاهلي نفسه عام 1926م.
ويفتتح طه حسين كتابه "في الشعر الجاهلي" بكلماته الحاسمة التي تحدد منهجه على النحو التالي: (سأسلك في هذا النحو من البحث مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة، فيما يتناولون من العلم والفلسفة، أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي، الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث، والناس يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوًّا تامًّا.
والناس جميعًا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر؛ قد كان من أخصب المناهج وأقواها وأحسنها أثرًا، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تجديدًا، وأنه قد غير مذاهب الأدباء في آدابهم والفنانين في فنونهم، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث.
فلنصطنع هذا المنهج حين نريد أن نتناول أدبنا العربي القديم وتاريخه بالبحث والاستقصاء، ولنستقبل هذا الأدب وتاريخه وقد برأنا أنفسنا من كل ما قيل فيهما من قبل، وخلصنا من كل الأغلال الكثيرة الثقيلة التي تحول بيننا وبين الحركة العقلية الحرة).
لم يكن طه حسين صادقًا ـ علميًّا على الأقل ـ مع نفسه، وهو يدعي أنه سيستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوًّا تامًّا، بل كان متأثرًا ـ ولو من طرف خفي ـ بما ردده قبله المستشرق اليهودى "مرجليوث" حول صحة نسب الشعر الجاهلي إلى قائليه.
وكان هذا المستشرق قد نشر بحثًا في سنة 1916م في المجلة الآسيوية الملكية، وقد تحدث قبل ذلك عن وضع الشعر الجاهلي في مادة (محمد) من دائرة معارف الأديان والأخلاق، (Encyclopedia of Religon and Ethics)، وفي كتابه عن محمد وظهور الإسلام (Mohammed and the rise of Islam)، وقد تصدى للرد عليه مواطنه "تشارلز ليال" (Lyal) في مقدمة ترجمة المفضليات التي تولى نشرها، ولكن "مرجليوث" عاد لينشر في المجلة السابقة في عدد يوليو/ تموز 1925م بحثًا بعنوان: أصول الشعر العربي.
وقد أطال في هذا البحث، وذكر فيه الشُّبه التي دعت إلى الشك في الشعر الجاهلي، وحملته على أن يقول: إن الشعر الذي جمع ونسب إلى الجاهليين مصنوع ومنحول، صنع في العصور الإسلامية، ونسبه واضعوه إلى شعراء جاهليين زورًا وبهتانًا.
وملخص مقالته باختصار ـ نقلًا عن أستاذنا الدكتور علي الجندي عليه رحمة الله ـ أنه كان قبل الإسلام في الجزيرة العربية شعر وشعراء، بدليل ورود الإشارة إلى ذلك في القرآن، ثم يتعرض لوصف القرآن للشعراء، ويشير إلى العدد الكبير من الشعراء الجاهليين الذين وردت لهم الأشعار في الأدب الجاهلي، ويشكك في أن الشعر الجاهلي قد حفظ بالرواية الشفهية؛ لأن الإسلام في نظره ما كان يحث على ذلك.
ولكن في الوقت ذاته يحاول أن ينفي أن الشعر الجاهلي كتب كذلك؛ إذ أنه لو حفظ بطريق الكتابة لكان للعرب في نظره كتاب أو كتب، والقرآن ينفي أنه كان لهم كتاب، ويزعم أن الشعر الجاهلي الموجود مرحلة تالية للقرآن لا سابقة عليه، ويرى أن التطور من الأسلوب القرآني إلى الأسلوب الشعري المنتظم يبدو في نظره متمشيًا مع المألوف، وهو بهذا يعتقد أن الشعر الجاهلي وضع بعد الإسلام، بعد أن سمع العرب القرآن فتأثروا به، فقالوا شعرهم بلغته، وساروا بفنهم من الصور الشاذة إلى المنتظمة.
إن الحيثيات التي ناقش خلالها "مرجليوث" بحثه الذي توصل بواسطته إلى الشك في الشعر الجاهلي، هي نفسها أو على الأقل تشبه القضايا التي أثارها الدكتور طه حسين في كتاب "في الشعر الجاهلي"، لكن البحث لا ينبغي أن يقف عند هذا الحد، فطه حسين كان قد تطرق إلى هذا الموضوع قبل أن يتحدث فيه "مرجليوث" بسنتين، فنشر في سنة 1914م في مجلة الرسالة المصرية بحثًا يشكك نسبة شعر الخنساء إليها.
لكن مع تأثر طه حسين بمرجليوث إلا أنه لم يكن عالة عليه، فطه حسين في نقده للشعر الجاهلي كان يعمل على إنشاء منهج قائم على الشك في نقد الموروث، وهو ما حدا به أن يقول في فجاجة: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما، ولكن هذا لا يكفي لصحة وجودهما التاريخي)، فطه حسين كان شاطحًا في استعمال المنهج الديكارتي، مما جعله يعتبر القرآن الكريم عملًا أدبيًّا يخضعه لأدوات المنهج الذى ارتضاه لنفسه.
مع أنه يأتي في غير موضع من الكتاب نفسه ويقول: (ذلك أني لا أنكر حياة الجاهلية، وإنما أنكر أن يمثلها هذا الشعر الذي يسمونه الشعر الجاهلي، فإذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير؛ لأني لا أثق بما ينسب إليهم، وإنما أسلك إليها طريقًا أخرى، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته، أدرسها في القرآن، فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي، ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه)، فهل كان ذلك الاضطراب أثرًا من آثار منهج الشك الذي ارتضاه طه حسين لنفسه؟!
كان طه حسين يعلم أنه يسبح ضد التيار، وأنه يخالف ما أصبح في حكم المجمع عليه، لذا أراد أن يخفف من وطأة كلامه على القارئ والمتلقي بإلباس الأمر ثوب الموضوعية، والتسربل بسربال المنهج العلمي، فيقول في مفتتح كتابه:
(أول شيء أفجؤك به في هذا الحديث هو أنني شككت في قيمة الأدب الجاهلي، وألححت في الشك، أو قل ألح علي الشك، فأخذت أبحث وأفكر، وأقرأ وأتدبر، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينًا فهو قريب من اليقين؛ ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين، وميولهم وأهواءهم، أكثر مما تمثل حياة الجاهليين.
ولا أكاد أشك في أن ما بقي من الأدب الجاهلي الصحيح قليل جدًّا، لا يمثل شيئًا، ولا يدل على شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي، وأنا أقدر النتائج الخطيرة لهذه النظرية، لكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها، ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء؛ أن ما تقرأه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء، وإنما هو انتحال الرواة، أو اختلاق الأعراب، أو صنعة النحاة، أو تكلف القُصَّاص، أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين).
وقد حشد طه حسين الكثير من الأدلة اللغوية والتاريخية والسياسية والاقتصادية على صحة مذهبه، مما لا مجال لتفصيله هنا ولا لدحضه، فما يهمنا هنا هو السبب الذى دعا المستشرقين إلى إثارة تلك القضية.
فرغم أن قضية الانتحال قد تنبه إليها النقاد العرب القدامى؛ إلا أن الدافع اختلف في الحديث عنه في القديم، فقد كان "محمد بن سلام الجمحى" المتوفى 231هـ أول من درس قضية الانتحال وأثارها في كتابه "طبقات فحول الشعراء"، ولكنه في دراسته لم يكن يذهب إلى انتحال الشعر الجاهلي جملة، فقد كان يرى أنه قد وجد الدخيل والمنحول طريقه إلى الشعر الجاهلي، لرغبة بعض القبائل في زيادة أشعارها، وما به من ذكر الوقائع والبطولات، ولكن ابن سلام يوضح أن أهل العلم قد استطاعوا بفطنتهم وعلمهم تمييز الصحيح من الدخيل.
ولكن في العصر الحديث أراد المستشرقون استخدام القضية استخدامًا آخر، فمن المعلوم أن إعجاز القرآن الكريم اللغوى يكمن ـ كما ذهب إلى هذا عبد القاهر الجرجاني ـ في نظمه، فقد أعجز القرآن العرب بما أتى به من نظم جديد لم تألفه العرب من ذي قبل، على الرغم من كونهم أصحاب أدب وبلاغة، وهنا يكمن التحدي الحقيقي، فلقد أعجزهم النبي صلى الله عليه وسلم بمعجزة من جنس ما فاقوا فيه وبرعوا؛كما أعجز عيسى عليه السلام قومه بمعجزة إحياء الموتى، وشفاء المرضى بإذن الله؛ لأنهم كانوا بارعين في الطب، وكذلك موسى عليه السلام جاء فرعون بمعجزة من جنس معجزات السحر الذى برع فيه قوم فرعون؛ ففاقهم موسى بما فعل.
وكان القرآن الكريم هو معجزة النبي صلى الله عليه وسلم الكبرى، لأن العرب كانوا بارعين في فنون الكلام وضروبه، وأشعارهم خير مثال على ذلك.
فالطعن في صحة نسب الشعر الجاهلي هو طعن في القرآن من طرف خفي، إذ مفاده أن العرب لم يكونوا أصحاب لسان وبيان، ومن ثَم فلا مجال للإعجاز البته، بل إن المسلمين هم الذين نحلوا الجاهليين تلك الأشعار ليثبتوا إعجاز القرآن لهم.
فالدارس للشعر الجاهلي يعلم مبلغ القوة التي وصل إليها الجاهليون في ضروب التعبير والنظم، وهنا يكمن التحدي الحقيقي، أما إذا سلبنا العرب قبل الإسلام تلك الخصيصة فلا مجال للتحدي، ومن ثَم للإعجاز.
هذا هو المسكوت عنه في تلك القضية التي كانت حديث الصباح والمساء وقت إثارتها، وهذا هو ما أراد المستشرقون الوصول إليه في مرحلة تالية لمرحلة إثبات الانتحال!!
فهل كان طه حسين واعيًا لذلك المسكوت عنه وهو ينافح عن قضية الانتحال ويدافع؟!!